السيد عباس علي الموسوي
54
شرح نهج البلاغة
فليرجع إلى السنة المطهرة فإنها الكفيلة بتفصيل المجملات والمؤسّسة لكثير من التشريعات . . . هذه هي شروط الجندي المسلم كما يراها الإسلام وهذه هي توصيات الإمام الشريفة إلى الولاة في عملية الرفق والعطف والحنان وما يصلح الجنود ، فهلّا يحق لنا أن نفخر ونعتّز بسمّوها . . . إنها من معطيات الإسلام الرائد والمبدع والمهيمن . . . ( ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دوه أقصاه ، وأوقفهم في الشبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشف الأمور ، وأصرمهم عند اتضاح الحكم ، ممن لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراء ، وأولئك قليل ) هذه هي الطبقة الثانية من طبقات المجتمع التي ذكرها الإمام وهي طبقة القضاة وقد شدد الإسلام عليها وبين من يحقّ له أن يحكم ومن لا يحق له ذلك فإنها مرتبة عظيمة لا ينالها إلا الأنبياء والأوصياء والخواص من الأمة التي تجتمع فيهم الشروط وهم قلة قليلة في كل زمان . . . القضاء عملية فصل الخصومات وفك للمنازعات وحكم في الدماء والفروج والأموال وهذه الأمور تشكل منعطفا خطيرا قد تجرف القاضي إلى نار جهنم إن لم يكن على ثقة من حكم اللّه وتوجيهه ، ولذا قال أمير المؤمنين لشريح القاضي : يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه ( ما جلسه ) إلا نبي أو وصيّ نبي أو شقي . وهذا ما حذر منه الإمام الصادق حيث قال : القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة ، رجل قضى بجور وهو يعلم فهو من أهل النار ، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة . فالقضاء يحتل المرتبة السامية في وظائف الدولة تخضع لحكمه سائر أفراد الأمة بما فيهم الحاكم الأعلى لأن القاضي لا يتناول القضية باعتبارها رأيا شخصيا له بل باعتباره أعلم بأوامر اللّه وأمهر في تطبيقها على مصاديقها وأشد حيطة في نقل مرادات اللّه . . . و الإمام يشترط في القاضي مواصفات يجب أن تجتمع فيه ليحق له أن يتولى هذا المنصب الرفيع :